ناصر بن الحسن الشريف الكيلاني
412
مجمع البحرين في شرح الفصين ( حكم الفصوص وحكم الفتوحات لابن عربي )
وحكي الشيخ رضي اللّه عنه في الباب الخامس والثمانين وأربعمائة من « الفتوحات » فقال : إن أبا العباس السبتي بمراكش رأيته وفاوضته في شأنه ، فأخبرني عن نفسه إنه استعجل من اللّه في الحياة كل النعيم فما حياته للآخرة سوى ربع درهم خاصة فذكر رضي اللّه عنه هذه الحكاية وشكر عنه على إيمانه بذلك ، فافهم . ثم أراد رضي اللّه عنه أن يعتذر عنهم في استعجالهم فقال : فإن الإنسان خلق عجولا يطلب الأمور قبل أوانها وإلا . قال تعالى : مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [ العنكبوت : 5 ] : أي لا تستعجل هذا من أحسن تأديب أدب اللّه به حبيبه حيث أنه ذكر له ما جرى قبله ، ومنهم قصصنا عليك فافهم . و ( الصنف الآخر : بعثه على السؤال ) رجم بالغيب ؛ لأنه لما علم أن ثمة أمورا عند اللّه في غيبه قد سبق العلم بأنها لا تنال إلا بعد سؤال ، فيقول هل ما يسأله فيه سبحانه يكون من هذا القبيل ؟ فسؤاله احتياط لما هو الأمر عليه من الإمكان . ف ( الأول ) صاحب استعجال ، و ( الثاني ) راجم بالغيب بمجرد الاحتمال . ولكن صاحب هذا السؤال إذا تصوّر المنادي المسؤول عنه تصوّرا صحيحا عن علم ورؤية سابقين أو حاضرين حال الدعاء ، ثم سأله ودعاه عسى أن يستجاب له . وأما من يقصد مناداة زيد ويطلب منه وهو يستحضر عمروا ويتوجّه إليه ، ثم لم يجد الإجابة فلا يلومنّ إلا نفسه ، فإنه ما نادى القادر على الإجابة والإسعاف ؛ لأنه توجّه إلى ما استحضره في ذهنه وخياله ، وهو مثله عاجز عن الإجابة ، وإن أثمر سؤاله على هذا فإنما أثمر بشفاعة حسن ظنه باللّه ، وشفاعته المعية الإلهية فإنه مع كل شيء . ورد في الخبر : « ما كان اللّه ليفتح لعبد الدعاء فيغلق عنه بال الإجابة اللّه أكرم من ذلك » « 1 » رواه الديلمي عن أنس رضي اللّه عنه .
--> ( 1 ) ذكره الديلمي في الفردوس ( 4 / 88 ) .